ابن كثير
133
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )
كذبه من قومه وآمرا له بالصبر عليهم " وكم أرسلنا من نبي في الأولين " أي في شيع الأولين " وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون " أي يكذبونه ويسخرون به وقوله تبارك وتعالى " فأهلكنا أشد منهم بطشا " أي فأهلكنا المكذبين بالرسل وقد كانوا أشد بطشا من هؤلاء المكذبين لك يا محمد كقوله عز وجل " أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة " والآيات في ذلك كثيرة جدا . وقوله جل جلاله " ومضى مثل الأولين " قال مجاهد : سنتهم وقال قتادة : عقوبتهم وقال غيرهما : عبرتهم أي جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم كقوله تعالى في آخر هذه السورة " فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين " وكقوله جلت عظمته " سنة الله التي قد خلت في عباده " وقال عز وجل " ولن تجد لسنة الله تبديلا " . ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ( 9 ) الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون ( 10 ) والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون ( 11 ) والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون ( 12 ) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ( 13 ) وإنا إلى ربنا لمنقلبون ( 14 ) يقول تعالى ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره " من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم " أي ليعترفن بأن الخالق لذلك هو الله وحده لا شريك له وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد ثم قال تعالى " الذي جعل لكم الأرض مهدا " أي فراشا قرارا ثابتة تسيرون عليها وتقومون وتنامون وتنصرفون مع أنها مخلوقة على تيار الماء لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا " وجعل لكم فيها سبلا " أي طرقا بين الجبال والأودية " لعلكم تهتدون " أي في سيركم من بلد إلى بلد وقطر إلى قطر وإقليم إلى إقليم " والذي نزل من السماء ماء بقدر " أي بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم وقوله تبارك وتعالى " فأنشرنا به بلدة ميتا " أي أرضا ميتة فلما جاءها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ثم نبه تعالى بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد بعد موتها فقال " كذلك تخرجون " . ثم قال عز وجل " والذي خلق الأزواج كلها " أي مما تنبت الأرض من سائر الأصناف من نبات وزروع وثمار وأزاهير وغير ذلك ومن الحيوانات على اختلاف أجناسها وأصنافها " وجعل لكم من الفلك " أي السفن " والانعام ما تركبون " أي ذللها لكم وسخرها ويسرها لاكلكم لحومها وشربكم ألبانها وركوبكم ظهورها ولهذا قال جل وعلا " لتستووا على ظهوره " أي لتستووا متمكنين مرتفعين " على ظهوره " أي على ظهور هذا الجنس " ثم تذكروا نعمة ربكم " أي فيما سخر لكم " إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين " أي مقاومين ولولا تسخير الله لنا هذا ما قدرنا عليه قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والسدي وابن زيد : مقرنين أي مطيقين " وإنا إلى ربنا لمنقلبون " أي لصائرون إليه بعد مماتنا وإليه سيرنا الأكبر وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة كما نبه بالزاد الدنيوي على الزاد الأخروي في قوله تعالى " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى " وريشا ولباس التقوى ذلك خير "